محمد بن زكريا الرازي
11
كتاب الشكوك على كلام فاضل الأطباء جالينوس
لم تكن شكوك أبى بكر الرازي على جالينوس مقصورة على الآراء الطبيّة ، فقد استقر عند المسلمين - كما كان الشأن عند اليونان - وجوب أن يكون الطبيب الفاضل فيلسوفا ، وأنّ الفلسفة - على حد تعبير الكندي - هي صناعة الصناعات وحكمة الحكم ، وإنما شملت الشكوك آراء جالينوس الفلسفية كذلك . فالحكيم المسلم كان - في الأغلب - أحد رجلين : إما طبيب متفلسف كأبي بكر الرازي أو فيلسوف متطبّب كابن سينا وابن رشد . * * * وللشكوك على جالينوس مسارات ضاربة الجذور في تاريخ النقد العلمي والفلسفي في الحضارتين الهيلنستية والإسلامية على السواء ؛ إذ نقد جالينوس الإسكندر الأفروديسى ( القرن الثالث الميلادي ) « 1 » ، وعارضه يحيى النحوي الإسكندرانى ( عاش في القرن السادس الميلادي ) « 2 » ، وأثار جابر بن حيان ( في القرن الثامن الميلادي ) لأول مرة في الحضارة الإسلامية - فيما نعلم - شكوكا قوية على جالينوس « 3 » .
--> ( 1 ) يورد ابن أبي أصيبعة من كتابات الإسكندر الأفروديسى النقدية على جالينوس : " مقالة في أن الإبصار لا يكون بشعاعات تنبثّ من العين والردّ على من قال بانبثات الشعاع " . و " مقالة في الردّ على جالينوس في المقالة الثامنة من كتابه البرهان " ، و " مقالة في الردّ على جالينوس فيما طعن على قول أرسطو طاليس أن كل ما يتحرّك فإنما يتحرك عن محرك " ، و " مقالة في الردّ على جالينوس في مادة الممكن " . " عيون الأنباء في طبقات الأطباء " ، ص 106 . بتحقيق نزار رضا ، مكتبة الحياة ، بيروت ، 1965 . ( 2 ) يقول علي بن رضوان عن يحيى النحوي : " وأعجب من هذا أنّ يحيى النحوي وضع كتابا سمّاه الشكوك ، يوضّح فيه ما يزعمه أغلوطات جالينوس " ( ضمن " خمس رسائل لابن بطلان البغدادي ولابن رضوان المصري " ، صححها ونقلها إلى الإنجليزية وزاد عليها مقدمة وتعاليق : يوسف شاخت وماكس مايرهوف ، ص 35 ، مطبوعات الجامعة المصرية ، كلية الآداب رقم 13 . مصر 1937 ) . ( 3 ) وعلى وجه الخصوص في موسوعته " النخب " ، وهي الموجودة حاليا تحت عنوان " كتاب البحث " ، مخطوط بمكتبة جار الله باستانبول رقم 1721 . وكذلك في كتاب " التصريف " والذي نشر مقتطفات منه بول كراوس ضمن كتاب " مختار رسائل جابر بن حيان " ، مكتبة الخانجي ، القاهرة 1354 ه . إلى غير ذلك من كتب جابر الفلسفية والعلمية والتي سوف يعتمد عليها أبو بكر الرازي أساسا في نقده لجالينوس .